أحمد الشرباصي
193
موسوعة اخلاق القرآن
مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر ، وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشقّ الجيوب وغيرها ، وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس ، وتضاده حالة تسمى البطر ، وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمي حلما ويضاده التذمر . وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمّي سعة الصدر ، ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر ، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان السر ، وسمي صاحبه كتوما ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا ، ويضاده الحرص ، وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضاده الشره . فأكثر أخلاق الايمان داخلة في الصبر ، ولذلك لما سئل عليه السّلام مرة عن الايمان قال : « هو الصبر » ، لأنه أكثر أعماله وأعزها ، كما قال : « الحج عرفة » وقد جمع اللّه تعالى أقسام ذلك ، وسمى الكل صبرا ، فقال تعالى : « وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ » ( أي في المصيبة ) والضراء ( أي الفقر ) وحين البأس ( أي المحاربة ) أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون » . وقد رأينا الغزالي يذكر في صدر حديثه هنا أن الصبر عن شهوة البطن والفرج يسمى عفة ، وشهوة الفرج أطغى من شهوة البطن عند ثوران الرغبة في الرذيلة وتوافر القدرة عليها ، ولذلك نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أن صبر يوسف الصديق على اجتناب الفاحشة مع امرأة العزيز كان أكمل من صبره على إلقاء أخوته له في الجب ، وبيع من وجدوه له ، وافتراقه عن أبيه ، لأن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره ، وأما صبره عن الفاحشة فكان باختياره ورضاه ، وقد حارب الاستجابة للفاحشة بالصبر الجميل والتعفف النبيل ، مع وجود الكثير من الأسباب الداعية إلى المسارعة بالإقبال على المعصية ، فهو شاب والشباب كما قيل شعلة من الهوى والرغبة ، وهو حينئذ غريب ، والغريب ، أخلاق القرآن - ( 13 )